0539150340

dalailcentre@gmail.com

إلحاد سايمون دو بوفوار

إلحاد سايمون دو بوفوار...
(من كتاب نفسية الإلحاد : إيمان فاقد الأب - بول سي فيتز - مركز دلائل - الطبعة الأولى 1437هـ/2016م - نسخة غير مخصصة للبيع)

سايمون دو بوفوار (1908-1986) هي بحق إحدى أكثر النساء المشهورات ثقافيًا في القرن العشرين. كانت امرأة الأدب وتابعة لجان بول سارتر Jean-Paul Sartre ومفكرة نسوية متطرفة بالنسبة لشخصيتها. كتابها الجنس الآخر The second Sex (1948) هو أطروحة نسوية كانت متقدمة لعقود في الحركة الأساسية للمطالبة بمساواة الجنسين في أواخر ستينيات القرن الماضي. كانت بوفوار تُعرف بأنَّها ملحدة: كان الإلحاد الحاد افتراضًا أساسيًا لوجودية سارتر، لكن إلحادها تعمق بسبب الفلسفة السياسية الماركسية، التي كانت واضحة في الحياة الثقافية الفرنسية في ذلك الوقت إضافة إلى مشاركات كل من سارتر وبوفوار.

من ناحية أخرى لم تكن سايمون ملحدة طيلة حياتها. ولدت في عائلة من البرجوازيين الراقين، وكانت الكبرى بين ابنتين.(1) كافحت العائلة ماديًا لأنها افتقرت كثيرًا بمرور السنين. والدها محامٍ، وبسبب رجل في البلدة، كان شكاكًا غير مؤمن تمامًا. كانت أم سايمون أكثر من أثّر فيها طفلة وبالغة. كانت مؤمنة جدًا بالكاثوليكية التي علمتها لكلتا ابنتيها في كامل الطريقة الكاثوليكية الأرثوذوكسية. وصفت سايمون في مذكراتها بنت مطيعة Memoirs of a Dutiful Daughter نفسها في تلك الفترة من حياتها بقولها:
"لقد كنت تقية جدًا؛ كنت أجهر بالإيمان مرتين شهريًا للخوري مارتن Abbe Martin وكنت أتلقى القربان المقدس ثلاث مرات أسبوعيًا وفي كل صباح أقرأ فصلًا من تقليد المسيح The Imitation of Christ؛ وكنت أتسلل بين الحصص إلى مصلى المدرسة ورأسي بين يدي وأقوم بصلوات طويلة؛ وغالبًا ما أفعل ذلك في درسٍ من النهار، كنت أترك روحي للخالق ... لقد كنت أمجد السيد المسيح بشكل جنوني. وبالإضافة إلى قراءتي من الإنجيل كنت أقرأ روايات مختلفة كان فيها هو البطل، وكانت له عينا محبٍ أحدق في وجهه المتجهم الحنون والوسيم ... كم من المريح معرفة أنه كان موجودًا!".(2)

اعتبرت نفسها راهبة كرملية وبدا أنها مأخوذة بالفهم الرومانسي للقداسة الكاثوليكية.
كانت أم سايمون تشرف عليها بحرصٍ كبير، حيث كان من الواضح أنَّها الشخص الأكثر تحكمًا مع احترامها لحياتي ابنتيها. حضرت السيدة دو بوفوار Madame de Beauvoir بعض صفوف ابنتيها حتى قاربت سايمون العاشرة، وكانت تفتح وتقرأ بريدها حتى بلغت الثامنة عشرة.

وعلى النقيض من ذلك كان أبوها - مثل كثير من الآباء في ذلك الزمن - أقل تدخلًا بشكل مأساويٍ في حياة ابنتيه، لكن كان له وجود مهم بالنسبة لسايمون التي كانت واعية تمامًا لموقف والدها تجاه الدين:
"لم يكن أبي مؤمنًا؛ شارك الكتاب الكبار والمفكرين شكوكه؛ كانت النساء عمومًا هن اللواتي يذهبن للكنيسة؛ بدأت بالشعور بكثير من التناقض والانزعاج من حقيقة وجوب امتيازهم، حيث كان الرجال مع كل الشكوك الممكنة هم المتفوقين".(3)

لاحقًا - وبعمر المراهقة - فقدت سايمون إيمانها وأصبحت شكوكية أو ملحدة:
"مهدت شكوكية أبي الطريق لي؛ لم أكن لأتخطى تلك المغامرة الخطرة وحدي. شعرت براحة كبيرة في تحرر نفسي من القيود على جنسي وقيود طفولتي".(4)

لم تظهر سايمون خسارتها للإيمان لأي من والديها في ذلك الوقت. ربما لم تفاجأ أنَّه بعد مدة قصيرة اكتشفت الموت، بأهميته العظمى ومعناه المزعج. كما أنها اكتشفت الوحدة:
"الإله لن يعود معي بعد الآن. كان هذا الإحساس بالوحدة مخففًا لبضعة سنين بسبب الطبيعة العاطفية القوية للعبادة والشعور بالاتحاد مع العالم الطبيعي وجماله".

كان عُمر سايمون قرابة العشرين عندما قابلت سارتر Sartre. كان كلاهما طالباً في باريس (كان سارتر أكبر منها بثلاث سنين)، درس كلاهما الفلسفة. وخلال وقت قصير كرست سايمون نفسها تمامًا لسارتر. قالت في كتابها "مقتبل العمر" The Prime of Life (الجزء الثاني من سيرتها الذاتية):
" كانت ثقتي به كاملةً تمامًا حيث إنه دعمني بنوع من الأمان التام الذي لا يخيب، والذي شعرت به يومًا ما من والديَّ، أو من الإله".(5)

استمر تكريس سايمون وولاؤها لجان بول Jean-Paul طيلة حياتها - على الرغم من خيبات الأمل غير العادية في علاقتهما والتدخل الكبير لكل منهما في حياة الآخر (خصوصًا سارتر). ظهرت سايمون خلال حياتها وعلى الرغم من شؤونها الخاصة - بعض علاقاتها سحاقية - على أنها زوجة بالولاء لسارتر وللأفكار التي يعتنقها.

كيف يمكننا تفسير ولائها الكبير وغير المتزعزع لسارتر؟ تسأل إحدى النسويات توري موي Tori Moi بوضوح في بداية كتابتها السيرة الذاتية لبوفوار: "لماذا حجَّمت كل الفرص بإعلان نفسها متخلفة ثقافيًا عن سارتر؟"36 الجواب لكلا السؤالين هو أن سارتر أصبح إلهها.

من الواضح أنها لم تصبح ملحدة بسبب والد مختل. في الواقع مهد لها والدها الطريق لتصبح ملحدة. وبذلك لا تتعلق حالتها بفهمنا لأصل الإلحاد. لكن يمكن أن تضرب كمثال مباشر عن اختلاف تعبير الإلحاد بين الرجال والنساء بعد رفض فكرة الإله. استبدلت سايمون علاقتها مع جان بول بعلاقتها مع الإله. حافظت على نوع من الولاء المؤكد لهذه العلاقة التي تعود لأصل حياتها الفكرية. وعلى النقيض من ذلك وضع سارتر مبدأ واضحًا للإلحاد في قلب فلسفته. وبغض النظر عن باقي علاقاته إلا أن أكثر ما يشتهر به قوله: "الجحيم هي الناس الآخرون"؛ وكان جواب سايمون المتهكم الواضح: "الجنة هي الشخص الآخر".
-------------------

المراجع:
(1) سي. أشر، سيمون دي بوفوار (بوسطن: مطبعة بيكون، 1981)، 12-13.
(2) سيمون بوفوار، مذكرات ابنة مطيعة، ترجمة ج. كيركوب (كليفلاند، أوهايو: العالمية للنشر، 1959)، 77-78.
(3) المرجع السابق، 143.
(4) المرجع السابق، 145.
(5) مقتبس من آشر، 25.