0539150340

dalailcentre@gmail.com

قدوة ولكن

قدوة ولكن

بقلم : ملحمة (باحثة مهتمة بقضايا الفكر المعاصر)
من العدد (3) مجلة (أوج)

 

ذلك الطفل كبر أمام الشاشة، كانت حضنه وتسليته الوحيدة، قدوته شخصية وهمية مُقنعة تحاول إنقاذ العالم، ومسلسلات كرتونية يتخللها بعض التسربات القيمية لم تكن في حسبان والديه، لقد كوّن الطفل أفكاره من عدة شاشات وعدة مقاطع، ولأن شاشة التلفاز المهتمة بالأطفال لا تضع في اهتمامها القيم وتستبيح عين الطفل بمشاهد لا تمت لدينه ولا لمجتمعه بصلة؛ فقد صنعت في مخيلة الطفل صورة مشوهة عن واقعه، فهو ينتمي جزئياً لأبطاله، ويقارن تلك الصورة بما حوله ليبدو له أن سقف الحرية في المسلسل الذي أمامه يتجاوز ما يعيشه، ويشكل بذلك أسئلة قد لا ينتبه إليها أحد. فمثلاً تلك البطلة لديها "صديق" في المدرسة، وقبل الوداع يراهما يقبلان بعضهما، أو مثال آخر يتجلى في تلك الملابس غير المحتشمة التي تغزو عين الطفل وتخدش براءته، مشاهد دخيلة كهذه تجعل موازين هذا الصغير تختل يوماً من بعد يوم بعدد المرات التي تمر به، وبعدد ما صنع من قدوات كرتونية يتم تقديمها في نمط حياة لم يعهده.

هذا مع تجاهلنا الملامح العنصرية في احتقار العرب أو السود والنظرة الصراعية الداروينية البارزة في تلك المسلسلات عن البقاء للأقوى، فتلك الرسوم تم إنتاجها في بيئة غربية لها معايير وأسس مختلفة عنا، والأدهى أنها لا تمانع تمرير هذه الأفكار لعقلية الطفل الهشة. فعبر الكارتون يمكن قول أي شيء، والرسم على مخيلة الطفل كيفما نشاء، والطفل خلال ذلك لا يُطلب منه إلا الاسترخاء حتى يصل إليه كل ما هو جاهز للاستهلاك البصري والسمعي على طبق جاهز.

[1]‏خلال ذلك تنتقل القدوة من الوالدين إلى الشاشة التي جعلا الطفل رهينة لها،

فأبطال ديزني قد يحتلون ذلك الدور الأبوي بسهولة.

فلقد أشار ماكس رافيتي أحد مراقبي التعليم في كاليفورنيا إلى والت ديزني بوصفه "المعلم الأعظم في هذا القرن".

[2]ولا شك أن كلمة 'المعلم الأعظم'  تختصر علينا الكثير في فهم هذه الشركات كمنتجة لمفاهيم ومصدرة لقدوات وهمية يتلبس الطفل تصرفاتها بإذعان، بل وقد يقترن التباهي عنده بالحصول على حقيبة تحمل صورة ذلك البطل أو مجلة تتحدث عن هؤلاء الأبطال بعد أن كان الطفل في زمن مضى يتباهى بعمل والده لا دور شخصيته المفضلة.

وأنا هنا لا ألمح لإيجابية أو سلبية ما تقدمه ديزني، بل أتحدث عن استلاب القدوة من الأسرة وانهيارها في عين الطفل.ويتتابع هذا الانهيار حين يترقى أو -ينحدر- الطفل من شاشة التلفاز إلى تلك الشاشة المتنقلة المتمثلة في الهاتف، وما يحويه من خيارات أوسع يعجز الصغير عن تحديد أيها الأفضل له، فيتوه متنقلاً بين شبكات التواصل ليجد التسلية الفارغة تتلقفه دون عناء البحث،

ولنأخذ ساحة اليوتيوب كمثال ... حيث تعزز تلك المقاطع التي يتابعها ملايين الأطفال والمراهقين صنع قدوات تافهة.

وفيه نلاحظ أن الطفل لم يعد متلقياً فقط، فهو مستخدم وصانع للترفيه غير الهادف من خلال مقاطع التحديات ذات المشاهدات المليونية كمثال، بل مررت على مقطع لطفلة لم تتجاوز السادسة تصور مشهداً على نفس النمط الرائج للتحدي، تدرك أمام تلك الطفلة أن الأسرة شاركت في هذا الانحدار من خلال التخلي أحياناً وترك الطفل بلا رقابة، ومن خلال تجميل تلك الأدوار حين يمنحونه فرصة الظهور ويبنون في نفسه قيم متردية كالشهرة بلا هدف.

وليت الأسرة تدرك أنها تقحم ابنها في عالم أكبر منه، يوفر له بضغطة زر خيارات من المشاهد التي لا تناسب الإنسان السوي كالإباحية والمقاطع العنيفة والأفلام الساقطة وغيرها، فتلك الساحات ليست محطات ترفيهية فحسب، بل ناقل للأفكار كذلك، وخلالها تبنى تصورات وتتغير مضامين، ويصبح اليوتيوب الرفيق في أوقات الفراغ والانتماء الجديد للفرد .يمنحونه فرصة الظهور ويبنون في نفسه قيم متردية كالشهرة بلا هدف.

وليت الأسرة تدرك أنها تقحم ابنها في عالم أكبر منه، يوفر له بضغطة زر خيارات من المشاهد التي لا تناسب الإنسان السوي كالإباحية والمقاطع العنيفة والأفلام الساقطة وغيرها، فتلك الساحات ليست محطات ترفيهية فحسب، بل ناقل للأفكار كذلك، وخلالها تبنى تصورات وتتغير مضامين، ويصبح اليوتيوب الرفيق في أوقات الفراغ والانتماء الجديد للفرد .

‏وبينما يقضي وقت فراغه على سخافات وآفات اليوتيوب تكون ساعاته الأساسية من نصيب ألعاب الفيديو ذات العوالم المتعددة، والتي بات نطاقها أوسع مع خاصية اللعب الجماعي بالإنترنت مع الأصدقاء أو غيرهم، وهنا تصنع اللعبة جواً من الاستمرارية والحركة الدائمة والرغبة في الانتقال بين المستويات إلى حد إغراق اللاعب في المتعة، فلا نهاية للمهام، وتحديثات اللعبة لا تنقطع، كما أنها تمنحه فرصة بناء شخصيته التي يرى نفسه من خلالها، وتغرقه في عالم له مثاليته ولذته وإنجازاته الوهمية، بل وقد يبني أهدافه في اللعبة أكثر من أهدافه في الحياة. كما أن بعض الألعاب الجماعية أو ما يسمى بالـ MMORPG تحتاج لتجديد اشتراك شهري، وبالتالي لا يتم إنفاق الوقت فقط بل والمال كذلك، ولو جمع هؤلاء المبالغ الشهرية التي تدفع لوجدوا أنهم ينفقون ما يقارب الألف سنوياً.

وإضافة للوقت والمال يتم سلخ اللاعب من قيمه، فلازلت أذكر على سبيل التمثيل لا الحصر تلك اللعبة الشهيرة التي كانت تضع الزواج بين الشريكين كمهمة ثانوية في اللعبة دون التقيد بتحديد الجنس ذكر/أنثى، وهي بذلك تمرر فكرة المثلية أو الشواذ لعقل المراهق بصورة مقربة أكثر تجعله يألف المشهد حين يمر أمامه في الواقع، ومثل ذلك دور بعض الألعاب في جعل الشخص أكثر تقبلاً لمشاهد العنف، فقد أثبت نيكولاس كارناغي أن التعرض الموجز لألعاب الفيديو العنيفة يؤثر في تفعيل ذلك الجزء من الدماغ الذي يزيد ضربات القلب تلقائياً، ففي تجربة مارس المشاركون لعبة فيديو عنيفة ومارس نصفهم لعبة غير عنيفة لمدة عشرين دقيقة، ثم شاهدوا بعد اللعب على الفور مشهداً من العنف في العالم الحقيقي الفعلي، مثل مشاجرة وقعت في سجن ما وتعرض أحد السجناء للطعن مراراً وتكراراً، وفي أثناء قياس معدل ضربات القلب ظهر على مَن مارسوا لعبة الفيديو العنيفة تغيراً أقل في معدل ضربات القلب، مع تعرق أقل في راحتي اليدين أثناء مشاهدة الفيديو مقارنة بمَن مارسوا لعبة الفيديو غير العنيفة، فقد أدت اللعبة العنيفة إلى جعل المشاركين أقل تأثراً وانزعاجاً بالعدوان في العالم الحقيقي.

[3] فهي إذا لم تحفز العنف عنده جعلته متصالحاً مع مشاهدته في واقعه، ومما لا أشك فيه أن محبي الألعاب يعشقون سرد إيجابياتها ويزعجهم تناولها بسلبية، إلا أن الحديث هنا عن جعلها بديلاً عن الواقع، والانغماس فيها، والتقاط قيمها المتدنية لا شعورياً وجعلها غاية ومجتمع نهاجر إليه بعقولنا.وهكذا يحل التلفاز مكان المُربي، وتصنع مواقع التواصل المعايير، وتساهم الألعاب في دفن الطفل أو المراهق في عالم من السعي الدائم إلى اللذة والمتعة دون أن يعترضه سؤال قيمي مثل "وقته فيما أفناه وماله فيما أنفقه" فهو لم يمر بتلك العملية التربوية التي تخبره عن الحدود التي تتوقف عندها متعته، ووجد نفسه رهيناً للدنيوية التي يعيشها هذا العالم دون توقف عند فكرة الآخرة، رهين عالم شديد التبدل يُغيب المشهد الإيماني ويرسخ صناعة الترفيه دون اعتبار للقيم والمعنى، عالم عبثي في تصوراته التي يمررها لعقول قد لا تملك ترسانة فكرية تمكنها من مواجهته، فتكتسي بحلته المادية وتستهلك أفكاره.‏وقد لا نتحدث كثيراً عن البديل الذي يمكن توفيره للطفل والأفراد غير تلك الشاشات، فمن الواضح أنه لا نتاج عربي على مستوى المحتوى يسد الثغرة القيمية، ولو وجد فهو يتماشى مع القيم الغربية متجاهلاً مجتمعه وأفكاره واختلافاته. ‏

وهنا يبقى الدور التوعوي في يد الكيان الأسري، والذي توجب عليه مكانته الأساسية في المجتمع أن يكون الأمان الفكري للطفل والحصن لأفراده من التفسخ الأخلاقي، فالتفكك العائلي ليس النتيجة الوحيدة لهذه الهوة التي تصنعها الأجهزة، بل قد يتبعها تفكك المجتمع إذا ما أدركنا حجم اقتحام الشاشات للمنازل. فالأسرة تشكل القاعدة والقاسم المشترك لبقية المؤسسات الاجتماعية، بل ونقطة تلاقيها وتفاعلها حيث تتجسد من خلالها الخصائص الثقافية ونظم المجتمع وقيمه، وبالتالي فبمقدار تماسك الأسرة ومتانة بنيانها وتمكنها تتعزز مكانة البنيان الاجتماعي.

[4]‏ لم تغب عن المنظومة الإسلامية هذه الحقيقة بخصوص الدور الذي تلعبه الأسرة كنواة، لذلك نجده محملاً بتوصيات وتوجيهات قيمية نحن في أمس الحاجة لتفعيلها اليوم، وبث الوعي بها بعد التنبيه على حالة الاختطاف القيمي والواقع المعولم الذي يجتاحنا وينازع الأهل في أدوارهم، والتذكير بخطورة الآلة الإعلامية التي تشوش العملية التربوية.ولننطلق من الحديث النبوي المتفق عليه للمصطفى عليه الصلاة والسلام "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" لنستعيد بدهية أساسية حول ما يحمله دور الوالدين من مسؤولية وتكليف تكاد أسر اليوم تغفلها، وليحمل كل فرد على عاتقه همّ إصلاح ذاته ومحيطه، كواجب نواجه به الفوضوية الأخلاقية في حاضرنا المتردي. وأخيراً.. ساحة القيم تحتاج لعمل، وحضن العائلة حجر أساس يجب استعادته.‏ 

 

---------------------------------

المراجع :

(1) إيمان عبد النبي بلوط، سوسيولوجيا أفلام الكارتون وتطبيع الطفل العربي، ص 66.

‏(2) هربرت شللر، المتلاعبون بالعقول، ص 118.‏

(3) سوزان جرينفيلد، تغير العقل، ص 217.

‏(4) د. مصطفى حجازي، الأسرة وصحتها النفسية، ص 41.