0539150340

dalailcentre@gmail.com

ثقافة التباهي

ثقافة التباهي
بقلم : ملحمة (باحثة مهتمة بقضايا الفكر المعاصر)
من العدد (2) مجلة (أوج)

" الفرح أصبح هو اللحظة غير الإنسانية التي يتم فيها استعراض الثروة والتباهي بها، وتزداد فيها حدة الصراع الطبقي " !
عبد الوهاب المسيري رحمه الله

حالتها المادية سيئة، زوجها مُحمل بالقروض، حياتها ينقصها الكثير، ومع هذا أقامت حفلة تخرج لا تعكس أبدًا وضعها المأساوي الذي أعرفه وتعرفه، ورغم أنها لم تعترف حرفياً ؛ لكن من خلال حديثها استوعبت أن تلك الحفلة كانت لضغوط من مجتمعها المترف، فقد تذمرت من حجم التكاليف وبدأت تحسب أمامي الضروريات التي لا زالت تجمع المال من أجلها.. وبينما كانت تتحدث : كنت أرى نموذجًا أمامي لما يسمى بـ "ثقافة التباهي والمادية" التي دفعتها للبذخ رغم عدم قدرتها..

لقد ذكرتني بحديث عالم الاجتماع الهولندي زيجمونت باومان حين شبه دوامة الاستهلاك بلعبة الكراسي الموسيقية التي تهدد ببقاء شخص خارجها دائماً، هكذا بدت لي في ركض مستمر حول الكراسي لتحجز لها مقعداً في سلم الطبقية عن طريق الإنفاق، وكل ذلك خشية الفشل في إرضاء المجتمع المترف، فالسعادة لم تكن في تخرجها ولا فرحتها، بل تم اختزالها في حجم التكاليف التي أُهدرت..

فقد صار يقاس نجاح الحفلة بعدد مَن انبهر، وحتى الهدايا التي وصلت كانت منزوعة المعنى مليئة بالتكلف والمباهاة، وكل هدية لا توافق معايير الترف الاستهلاكي المتعارف عليها كان يُنظر إليها بازدراء !

مثل هذا نراه كذلك في الصورة التي تم تناقلها في مواقع التواصل لطفل صغير يحتفل بنجاحه ولكن بمعايير لا يرتضيها المجتمع المادي، تلقف البعض صورته بتندر كونها حفلة خالية من كل معاني السعادة كما يعتقدون.
فحفلة الصغير البسيط لم يكن فيها إلا عدة أطباق من الحلويات منزلية الصنع، بحيث غابت الشموع والكعكة الكبيرة عن جوه الاحتفالي، ولم تكن هناك أي هدية فخمة بحجم الآيفون إلى جواره، هذا الطفل يُعد مثيراً للشفقة حسب معاييرهم الاستهلاكية، ومهما ارتسمت على وجهه ملامح الفرح.

هؤلاء ضحايا لمعاني الرفاهية المزيفة التي تقفز لنا من الدعايات والماركات الجديدة والأسواق المتزايدة، وهم مجرد تتمة لحالة إنسان السوق اليوم الذي تحول إلى كومة من الأشياء، ذلك الإنسان الذي بات يجمع نفسه وشخصيته من خلال المولات الضخمة، ويعرف نفسه عن طريق المحلات التي يزورها، فها هي إحدى الفتيات تشتري حذاءً غاليًا بـ 7 آلاف ريال، لم يكن فيه شيء مميز سوى سعره الذي سيجعلها بفضله محط الأنظار، ثم تمر لتشتري حقيبة جلدية بمبلغ أقل هو 4 آلاف - فهي لا تحب التبذير- هكذا تقول لصديقاتها !
ثم تختم جولتها في السوق بشراء آخر إصدار للآيفون، رغم أن هاتفها لا زال يعمل، ولكن ثقافة “التباهي” تفرض نفسها.. وهوس الشكليات المُرهق يجعل الأمر في مقام الفريضة.

خرجت من السوق وقد جمعت نفسها بشكل جيد، لقد كونت هويتها، وتشعر أنها امتلكت قيمة بحسب المبلغ الذي دفعته. هؤلاء المستهلكون يتجولون في الممرات المتعرجة داخل مراكز التسوق يراودهم الأمل في أن يعثروا على علامة هوية أو علامة تجارية من شأنها أن تُحدث ذواتهم وفق آخر الصيحات[1].

ومما يؤكد على اتخاذهم لمقتنياتهم من السوق كعلامة هوية ؛ هو حرصهم على عرضها باستمرار حتى للأعين البعيدة، مثل متابعيهم في مواقع التواصل، فإذا لم تُعرض السلعة على أكبر عدد من العيون تفقد معناها الاستعراضي، وتخسـر الهوية التي حُملت بها.

إن الهوس الاستهلاكي الذي تسلل للأفراد هو نتيجة حتمية لمجتمع عالمي غزته المادة، وبدت عليه مظاهر التسابق عند بوابات السوق، فما هي الثقافة والفكرة التي سيتركها مشهد هؤلاء الناس الذين يبهرنا اصطفافهم في المدن العالمية كطوابير، حتى يظفروا بأسبقية شراء جهاز لمجرد أنه يحمل هالة "الجديد"؟ لا شك أنها تُطبع في أذهاننا بشكل أكبر قيمة السلعة.

بل ولم تخلو مجتمعاتنا كذلك من السعار الاستهلاكي بشكل واضح مع قرب الشهر الفضيل "رمضان" ؛ حيث تتزاحم العائلات عند بوابات الأسواق وكأنها تستقبل هذا الشهر بالمنتجات التي تملأ بها عربة التسوق، حتى بتنا نحتاج لتذكير الناس أنه شهر للصيام لا شهر الإسراف في الشـراء والأكل، وهكذا بطريقة لا واعية يصبح المعنى مساوٍ للسلعة، وتستغل الشـركات الأمر في ضخ الجديد مع وهم التخفيضات الذي يظن المستهلك المسكين أنه نصر له.

ولو تمعنا لوجدنا أن الثقافة الاستهلاكية ما هي إلا نمط مستورد كنتيجة طبيعية للرأسمالية، وهذا النمط يحاول دمجنا مع العالم وفق سلوكياته، وقد نجح تقريباً في إعادة هيكلة تصوراتنا تجاهه بالإعلانات التي يبثها مروجاً لسلعه بشكل متكرر ومستمر، حتى باتت إعلاناته تتبعنا كالظل في كل صفحات التواصل وجميع الشاشات، وقد لا تكون قادراً على الإفلات من فخاخها التي تدعو للإنفاق..

فهذا عبد الوهاب المسيري رحمه الله يذكر وقوعه فيها قائلاً : " كنت أحب السفر بالطائرة لأنه يحقق لي كثيراً من الهدوء، سواء في المطار أو في الطائرة، إذ لا يمكن لأحد الاتصال بي، أقرأ الجرائد وأتناول قدحاً من القهوة، وأجلس لأتامل في راحة وسكينة، وكنت أسافر بطبيعة الحال في الدرجة السياحية، إلى أن رأيت إعلان إحدى شركات الطيران الذي بدأ يتحدث عن مدى اتساع كراسي الدرجة الأولى، وتظهر صورة راكب ممدد على كرسيه الوثير مقارنة براكب الدرجة السياحية الذي تظهر صورته بعد ذلك وهو يتقلب في كرسيه من الألم، ويلكزه جاره بيده من غير قصد.
منذ تلك اللحظة أصبح السفر بالدرجة السياحية مسألة مؤلمة بالنسبة لي"[2].

هذا كان موقف المسيري رغم وعيه بالواقع التسليعي، فكيف بنا نحن الذين لا ندرك بعد حجم الاستهداف لجيوبنا، ونعيش تضخماً للأسواق والمنتجات التي لا تعد ولا تحصـى، بينما ترفع الآلة الإعلامية من جهدها لتلميعها وإقناعك أن تلك السلعة تضيف لك "قيمة"، ثم لا تكتفي بذلك، بل تبدأ باختلاق أفكار تسويقية لتبرر رغبتك الاستهلاكية، فتراها تقتحمك عن طريق أفكار مثل فكرة "الموضة" التي تعني تحريك الملل والضجر من أشياء لم تعد حديثة أو عصـرية، وقد عملت الموضة على ممارسة الضغط على الناس للشـراء، ليس بدافع الحاجة، بل بدافع الأناقة[3].

وحين تحضـر مصطلحات مثل "الموضة" و "الماركة" وينخرط المجتمع فيها ؛ يتكرر موضوع الفقير الذي يضطر لتجاهل ضرورياته في سبيل الوصول لسقف التباهي المرتفع. فيصبح هؤلاء الفقراء ضحايا لبذخ الأغنياء وحركة السوق التي لا تتوقف، وهذا يتنافى مع القيمة التي يحاول الإسلام تعزيزها في المجتمع بالمساواة وعدم جعل الأفضلية مختزلة في المادة، هذا الإغراق في السلع بشكل مفرط يُنسـي الغني واجبه تجاه أخيه الفقير، ويصبح الفقير يحدق في الغني وهو يتمنى ما في يده من ساعة، أو ما يملكه من سيارة فارهة، وإلى أن يفقد المجتمع ترابطه الروحي لا شعورياً.

لذلك نحتاج لثقافة نابعة من أولويات الفرد، توقف هذه التمظهرات الاستهلاكية المفرطة، فالإنسان المسلم نموذج إنساني للمقاومة، فهو لا يعتبر معدلات الاستهلاك هي النقطة المرجعية التي يستخدمها في الحكم على الأمور، وإنما مرجعيته هي مقدار تحقيقه لقيمه الإسلامية، وبذلك فإن المسلم إنسان " مقاوم للاستهلاكية العالمية "[4] أو هكذا يفترض أن يكون.

في النهاية هذا المقال لا يعني رفض الشراء والترويح عن النفس بل هو محاولة لرفض ظاهرة "تصنع الثراء" و ظاهرة "التباهي" التي تخلق فوضى طبقية دخيلة علينا ولا حلول معلبة لها الآن لكننا نحاول لفت النظر لوجودها حتى لا نستمر منقادين لها بغير وعي وحتى لا تصبح حفلات التخرج وغيرها من المناسبات كالأقنعة التي نجبر على وضعها، وهي أقنعة باهظة الثمن لو تعلمون.

---------------------------------

المراجع :

 

(1) زيجمونت باومان، الحياة السائلة ص 61.
(2) عبدالوهاب المسيري، رحلتي الفكرية ص 201.
(3) ريتشارد اتش. روبنز، المشاكل العالمية وثقافة الرأسمالية ص 44.
(4) عبدالوهاب المسيري، حوارات الهوية والحركية الإسلامية ص 30.