0539150340

dalailcentre@gmail.com

يوتيوبيا : تايسون ونيوتن وأمة محمد صلى الله عليه وسلم

 

 

يوتيوبيا : تايسون ونيوتن وأمة محمد صلى الله عليه وسلم

- سامي أحمد الزين

باحث راصد لحركة الإلحاد الجديد منذ 2008ممن بين آلآف المقاطع التي شاهدتها على موقع اليوتيوب [في مختلف المواضيع] هناك مقطع واحد لـ (نيل ديغراس تايسون) لا يمكن نسيانه.

تايسون بدايةً هو عالم فيزياء فلكية أمريكي ملحد، يصف نفسه باللا أدري ويعترض على تسميته بالملحد، وقد اشتكى غير مرة أنه غيّر بنفسه كلمة (ملحد) التي تشير إليه في موقع (ويكيبيديا) الشهير إلى عبارة (لا أدري)، ولكن هناك من أعادها سيرتها الأولى بعد ذلك.

لماذا أسميه ملحداً إذاً ؟ لأنه يصنف نفسه لا أدرياً على أساس أنه لا يؤكد عدم وجود الإله الخالق، بل يصرح باللا أدرية في هذا الشأن.

صحيح أن ذلك هو الأساس الذي وُضعت لأجله تلك التسمية، ولكن من ينافح عن الآراء الإلحادية بكل قوة ويهاجم كل من يخالفها بأقصى طاقة يجب أن ينال لقب "ملحد" في نظري حتى وإن حاول التملص منه لسبب أو لآخر.

(Beyond Belief: Science, Religion, Reason and Survival) ما بعد الإيمان : العلم، الدين، المنطق والبقاء، كان عنوان "الندوة" التي ألقى فيها تايسون عام 2006م كلمته التي نحن بصدد الحديث عنها في هذا المقال، وقد تم نشرها بالكامل على اليوتيوب في مقطع طويل، ثم نُشر جزؤها الأخير في مقطع قصير يحمل عنوان "التصميم الغبي" !ركز تايسون في كلامه يومذاك على أن إيمان علماء الطبيعة بوجود الخالق يعتبر مشكلة تسترعي الانتباه، وقد زعم أن العالم الكبير إسحاق نيوتن - وهو الذي يعتبره تايسون أعظم عقلية علمية في التاريخ البشري - كان إيمانه الديني قد وقف عقبة في طريق اكتشافاته وبحوثه العلمية.

قال أن نيوتن لم يأت على ذكر الخالق حينما تحدث عن حركة وجاذبية الأرض والشمس والقمر وبقية الكواكب كلٌ على حده : لأنه فهم كل ذلك واستوعبه، ولكن حينما أراد أن يفهم كيف يتوازن النظام الشمسي بكامله كان عليه أن يوجد المحصلة النهائية لتأثير جاذبية كل جرم منها على بقية الأجرام، وهو ما لم يتمكن من حسابه ولذلك قال - أي نيوتن - : "إن هذا النظام الفائق الجمال من الشمس والكواكب والمذنبات لا يمكن له الاستمرار إلا بحكمة وقدرة عليم قدير".ثم قال أن الفرنسي (بيير لابلاس) أتى لاحقاً وأكمل ما لم يكمله نيوتن، لأن لابلاس لم يُدخل الخالق في عمله، وتحسر تايسون على ضياع قرن تقريباً بين اكتشافات نيوتن وأعمال لابلاس. ثم وصل المُحاضِر إلى بيت القصيد : " لذلك فإن ما يقلقني الآن هو حتى وإن كنت بعبقرية نيوتن ؛ فإنك ستصل إلى نقطة تتأمل وتمجد فيها عظمة الرب وتتوقف بذلك اكتشافاتك".

سأشير هنا أولاً إلى التناقض الكامل الذي وقع فيه تايسون حينما قال في البدء أن عقل نيوتن لم يتمكن من استيعاب أمر علمي معقد ولذلك نسب سِرّه إلى الخالق، ثم قوله لاحقاً متحدثاً عن ذات الأمر : "كان يمكن له أن يكتشف ذلك، ولكنه لم يفعل، حيث منعه تدينه" ! ولا يخفى على القارئ الكريم أن سبب جمع تايسون بين النقيضين هنا هو أن الانتقاص من دين نيوتن لا يستقيم إلا بذلك، فحينما يشير تايسون إلى أن نيوتن ذكر اسم الخالق وأثنى على صنعه وقدرته : فإنه يجب أن ينسب ذلك إلى جهل نيوتن وقصر نظره ؛ إذ لو فهم : لما كان ذكر اسم الرب أصلاً. ولكن حينما يحاول إلقاء الملامة على الدين في وقف اكتشافات نيوتن : فإن عليه أن يقلب الآية فينفي جهل نيوتن على الإطلاق، ليعزو إحجامه عن الدخول في تلك المسائل بالكامل إلى تدينه !يمكن أن نسلّم لتايسون بكل ما قال كما يفعل الملاحدة عادة وكما فعل بعض أولئك الذين علقوا على مقطعيِّ اليوتيوب، ولكن هناك خيار آخر وهو أن نسأله : لماذا خاض نيوتن في العلوم الطبيعية وغاص في أعماقها إلى درجة أصبح معها في رأيك أنت أعظم عالم طبيعي في التاريخ البشري دون أن يعيقه تدينه كما تزعم ؟ نيوتن لم يقل أنه سيمتنع عن الخوض في ذلك الشأن احتراماً لدينه كي تجزم أنت بأن الدين هو السبب، كل ما في الأمر أنه أثنى على التوازن الدقيق الذي رآه ورصده في الكون، فكيف حكمت بأن دخول نيوتن في ذلك كان سيتعارض مع دينه في الوقت الذي كان خوضه في الأمور الأخرى [التي أبدع فيها] لم يكن فيه أي تعارض ؟ لو أجاب عالم طبيعة مسلم عن مسألة علمية لا يعرفها بعبارة : الله أعلم، ثم كتب بعد سنوات كتاباً يجيب فيه عن تلك المسألة بعد انتهاء أبحاثه فيها، ثم أتى الملحد ليرى الأمر بطريقة : لقد تأخر الاكتشاف العلمي لسنوات بسبب الدين ! ولولا عبارة "الله أعلم" لوصلت البشرية إلى ذلك الاكتشاف بشكل أسرع ! لو حدث ذلك فإن الملحد هنا - مثل تايسون - يتصرف وكأنه مصاب بنوع من الرهاب أو الفوبيا من مجرد ذكر اسم الخالق، هو يخاف من الله ولكنه لا يخاف الله! يخاف من مجرد رؤية تلك الكلمة في كتاب علمي، يخاف من تأثير عالم الطبيعية المؤمن الذي يتجاسر على أن يلمح بوجود شيء خارج الطبيعة، ويخشى من أن يؤدي كل ذلك إلى الجمع بين ما يسعى الملحد بكامل جهده إلى جعلهما نقيضين : العلم والدين.ليست هذه المشكلة بالأمر اليسير الذي يمكن تجاهله، بل إنها مشكلة كبرى ولها عواقب وخيمة.

فلو كنت ملحداً من تلك النوعية فإنك ستكفر بالله عز وجل زاعما أنه "لا توجد ذرة من دليل علمي أو عقلي على وجوده" وحينما يُثبت العلم بأن للكون بداية فإنك ستحتج بأن تلك البداية أتت عن طريق انفجار عشوائي يُمكن أن يقع دون الحاجة إلى مُحدث. وحينما يثبت العلم بأن تلك البداية كانت مضبوطة ومُحكمة إلى درجة يستحيل عملياً معها أن تكون قد أتت عن طريق مصادفة عمياء ؛ فإنك ستبقى على كفرك أيضاً حتى وإن نفد ما في جعبتك من أعذار وحجج تحافظ بها على هذا الكفر، وسبب ذلك بالطبع هو أن اسم (الله) الذي تخشاه هو ما سيوصلك إليه في نهاية المطاف طريق العلم والعقل الذي ترفض أن تسلكه.

أما بالنسبة للمقطع القصير [التصميم الغبي] فإن اسمه أتى من الفقرة التي اسماها تايسون بذلك والتي استعرض فيها مجموعة من "الملاحظات" التي يعتقد بأنها تدحض فكرة وجود صانع حكيم والتي كان منها الاعتراض الغريب والمتكرر : لا يمكن للحياة أن تزدهر إلا على جزء صغير جداً من الكون ! والسؤال الذي ينبغي أنه نوجهه لمن يعترض على ذلك هو : إذا انعكس الحال وكان الكون بمعظمه يسمح بنشوء الحياة واستمرارها فهل سيكون هذا دليلاً على وجود خالق للكون ؟ أم أن فرضية النشوء العشوائي التي يقول بها الملاحدة ستقوى أكثر لأن البيئات الملائمة سيتضاعف حجمها وتتنوع بشكل هائل وكأن الحياة على الأرض لم تعد مقصودة ؟الاعتراض الآخر لتايسون هو أن الكون مليء بالأخطار التي تتهدد بقاء الكوكب، ومرة أخرى إن كان الكون آمناً تماماً فهل فهل يقوي ذلك فرضية النشوء والبقاء العشوائي للحياة أم يضعفها ؟ وخاصة أن أمامنا كوكب الأرض محفوظ إلى الآن منذ مليارات السنين وفق تقديراتهم أنفسهم !ثم ذكر جملة من الاعتراضات (وكأنه ليس لها إجابات في الأديان أو علم الأحياء) منها : رغم ظهور الحياة بسرعة بعد تشكل الأرض ؛ إلا أن الكائنات متعددة الخلايا تأخر ظهورها - لا يستطيع البشر رؤية الإشعاعات والغازات - يهرم الكائن الحي مع التقدم في العمر - يحتاج البشر للأكل باستمرار - هناك غازات سامة تقتل البشر [هنا بدأ الحضور بالضحك مع المحاضر من شدة الاقتناع ربما] - التشوهات الجنينية (حتى هذه لم يتركها رغم أن المتسبب الرئيسي فيها الإنسان بالحرارة والإشعاعات والمواد الكيماوية الضارة مثل التدخين والخمر والأدوية ذات الأعراض الجانبية !) - ثم أخيراً وليس آخراً يعترض تايسون قائلاً : تخيل لو كانت لديك فتحة للتنفس وأخرى للأكل وثالثة للتحدث فإن ذلك سيكون رائعاً أليس كذلك ؟!قطعاً لا تستحق هذه الاعتراضات أن نضيع عليها أحرف مقال قصير كهذا، ولكن الطريف أن تايسون نفسه قد اعترف في بداية المحاضرة بشكوكه حول ما إذا كانت معرفته بعلم الأحياء (البيولوجيا) كافية لأن يدلي برأيه في هذا الموضوع ؟ لكنه أقنع نفسه في النهاية بأن لديه ما يقوله ثم صرّح لاحقاً باعتراضاته تلك وبنبرة تملؤها السخرية والاستعلاء ! فسبحان الله العظيم الذي قال : { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ } الأعراف 146. بقيَ سؤال أخير : إن سقطات الملحدين وتناقضاتهم كثيرة، فما الذي يصعب نسيانه في هذا المقطع ؟.. هو ببساطة لا يُنسى لأن تايسون قد أصاب فيه جرحاً غائراً وبأشد الطرق إيلاماً !كان تايسون قد ذكر أن الرئيس الأمريكي بوش الابن أراد مرة في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر أن يشير إلى أن الله يقف معه، فحاول أن يقتبس عبارة من كتابهم المقدس المُحرف فإذا به يقول : “إن ربنا هو الرب الذي سمّى النجوم بأسمائها”. بالطبع سخر منه تايسون وتهكم عليه أولاً ثم قال : "إن الحقيقة هي أن ثلثا النجوم التي لديها أسماء تحمل أسماءً عربية". ثم ذكر أن سبب ذلك هو أن الفترة بين عامي 800 و 1100 للميلاد (أي من القرن الثاني إلى الخامس الهجري تقريباً) كانت بغداد عاصمة العلم والثقافة في العالم بحق، وهو الأمر الذي أدى إلى دخول مفردات عربية كثيرة جداً إلى قاموس العلوم الطبيعية، وقد بقيت مستخدمة إلى اليوم، ثم قال مؤكداً : "الأعداد التي نستخدمها ماذا تسمى ؟ تسمى الأعداد العربية (Arabic numerals) توقفوا قليلاً وفكروا في ذلك، علينا في أمريكا أن نتوقف ونفكر في هذا ملياً : لماذا تمت تسميتها بالأعداد العربية ؟".

ثم ذكر أن انتكاسة العلم في العالم الاسلامي جاءت مع حلول القرن الثاني عشر الميلادي بانتشار ما يظن أنه التأثير السلبي لكتابات أبو حامد الغزالي [وهو تكرار لكلام المحاضر الذي سبقه الفيزيائي الملحد ستيفن واينبيرج] ثم أخذ بعدها يحذر قومه قائلاً : "لقد انهارت القاعدة الثقافية للحضارة الإسلامية منذ ذلك التاريخ (1100م). ولم تتعافَ حتى اليوم، ولكن...

لماذا أذكر لكم كل هذا ؟ لأنني أريد أن أسالكم : ما التأثيرات التي نشهدها نحن في أمريكا اليوم؟ لقد انتهت الفترة التي كان للمسلمين الحق فيها بأن يسموا اكتشافاتهم بأنفسهم ولم تعد بعد ذلك أبداً.. لأن طريقتهم في النظر إلى العالم الطبيعي تغيرت ".

ثم ذكر أن أمة الإسلام التي يزيد عدد أفرادها عن المليار لم يفز منهم بجائزة نوبل في العلوم إلا فرداً أو فردين في مقابل الأعداد الضخمة من اليهود الذين فازوا بتلك الجائزة [ربع مجموع الجوائز تقريباً] على الرغم من أن تعداد اليهود لا يتجاوز الخمسة عشر مليوناً في العالم ككل، إلى أن قال في النهاية : "لو لم ينهار الإسلام في مجالات العلم والثقافة في القرن الحادي عشر لكانت جميع جوائز نوبل من نصيب المسلمين وحدهم، وكون الجوائز التي حصلوا عليها في الواقع ليست قليلة فحسب بل تكاد تكون صفراً هو أمر مقلق بشكل كبير جداً، أنا أتساءل عن ما فقدناه ..  عن العبقريات التي كان يمكن أن تظهر في ذلك المجتمع خلال الألف عام التي مضت ولكنها لم تفعل".

انتهى.يمكننا أن نتصدى للهجوم وأن نرد على الافتراءات دون عناء، يمكننا أن نورد اقتباسات من كتاب (المنقذ من الضلال) لأبي حامد الغزالي يؤكد على أنه لم يحارب الرياضيات ولا المنطق ولا العلوم ولكن : حارب العلماء الذين اتخذوها طريقاً للفلسفات الوثنية الكفرية باسم الدين، يمكننا أن نسخر - نحن كذلك - من فكرة أن تؤثر كتابات عالم واحد في أمة بالمليارات شرقاً وغرباً حتى المختلفين معه في المنهج والتفكير ! يمكننا أن نذكر الأسباب الحقيقية وراء الانهيار بداية من طغيان الدنيا وملذاتها على حضارة المغرب الأندلسي، وبداية من الخيانة وطغيان التتر والمغول وهمجيتهم على حضارة المشرق في بغداد، ولكن.. ماذا عن مُجمل كلام تايسون ؟!

أولاً : أعتقد علينا أن نتساءل عمّا فعلناه كي يجعلنا الله عبرة لغيرنا بهذه الطريقة، وللأسف إذا عرفنا أخطاءنا فيستمر أغلبنا عليها عمداً.

ثانياً : حينما يتحسر الملحد على ما خسره العالم جراء انحطاط المسلمين : فإنه يتحدث فقط عن أمور مادية لا تشكل رغم أهميتها عشر معشار ما خسرته البشرية حقيقة على كل الأصعدة (الأخلاق والعدل وأمانة العلم وغيرها). وأخيراً : علماء الإسلام اليوم يملأون بلاد العالم في كل التخصصات، ولو وجدوا في بلادهم كامل الدعم المادي لما تركوها ولأعادوا الريادة في العلوم للمسلمين من جديد، فاللهم اصلح حال أمتنا عاجلاً غير آجل.

المراجع :

https://www.youtube.com/watch?v=Ti3mtDC2fQo https://www.youtube.com/watch?v=4238NN8HMgQ