0539150340

dalailcentre@gmail.com

شخصية العدد – يوسف سمرين

 

شخصية العدد – يوسف سمرين

كاتب شاب في المجال الفكري والفلسفي، له نشاط نقدي ملحوظ مع اتساع معرفي كبير ونهم أكبر للقراءة، صدر له كتابياً : (موقف ابن تيمية من نظرية الحادث)، و(تناقضات منهجية) وهو نقد لأطروحة عدنان إبراهيم للدكتوراه، كما صدر له أعمال مسموعة مثل : (سلسلة مدخل إلى الفلسفة).

هم أشخاصٌ قد يعرفهم أغلبنا أو بعضنا أو غير مشهورين، لكن بصماتهم توجب تسليط الضوء عليها وعليهم : مَن هم ؟ وما هي قصة طريقهم الذي سلكوه ؟ لعل فيما سنقرأه معاً مفاتيح القدوة والعبرة لمَن يريد.... نترككم مع الحوار...

 

     أهلاً بك أستاذ يوسف على صفحات مجلة (أوج)، ونود البدء بالسؤال عن أكثر شيء أو أشياء ترى أنها ساهمت في تشكيل فكر يوسف سمرين اليوم ؟أهلاً بكم جميعاً، أما بالنسبة للسؤال فقد أثر بي بصورة عامة طبيعة تخصصي التي كان فيها جمع بين الدراسة الشرعية والفلسفية، وهذا نادر سواء بين طلبة العلم الشرعيين أو من يدرسون الفلسفة، ومن بين من أثروا بي أيضاً بشكل كبير هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والذي تعمق في العلوم الشرعية حتى شهد له بهذا القاصي والداني، وفي الفلسفة تعمق فيها إلى درجة كبيرة جداً، جعلته مؤهلاً ليناقش كبار الفلاسفة، ويصوغ ما وصل إليه من تقريرات شرعية بطريقة فلسفية بمهارة شملت الكثير من المباحث، من نظرية المعرفة، إلى الأنطولوجيا، إلى المنطق، إلى الأخلاق وغيرها.

       يرى البعض أنك تجيد النقد لبعض الشخصيات حتى يبدو أنك تتعمده، فما هي ضوابط النقد من وجهة نظرك الخاصة ؟

النقد هو التمييز بين الصحيح والخطأ، وقد رفع لواءه علماء الشرع قديماً، من علوم الحديث إلى الأصول وغيرها، والنقد الذي أسلكه ينصب على الأفكار، ومن وظائف الفلسفة أيضاً النقد، كان ابن تيمية قد كتب أهم كتبه من هذا الإطار، تجده ينقد كتاباً كما فعل مع ابن المطهر في منهاج السنة، كذلك في بيان تلبيس الجهمية يرد على الرازي في أساس التقديس، والنقد مسألة صحية، وإذا كان الفن لا يستغني عن نقاد، فكيف بالأفكار والمناهج والأطروحات  التي يمكن أن تؤثر في أمة  فتعلو بها أو تتحطم بها ؟ إن النقد بشكل عام له رسالة .. أن لا يكون المتلقي كائناً سلبياً أمام ما يسمعه أو يقرأه، بل كائناً حياً متفاعلاً مع النص المسموع أو المكتوب، يُقر الصحيح، ويرد الخاطئ، وأي عمل نقدي يمكن أن يتحول إلى موضوع ينصب عليه النقد.وضوابط النقد وآلياته واسعة جداً، بل قد تكون أوسع من العلم المقصود نفسه، ففي علم الحديث مثلاً، كثير من نقاد الحديث لا يكتفون ببيان كذب حديث ما حتى يبينون أصله، وكيف تدرج إلى أن صار بزعم بعضهم حديثاً، فهنا لزم زيادة على معرفة علم الحديث وهي الاطلاع الواسع على الأقوال والتاريخ ونحو ذلك، حتى يبين أصل الحديث المنحول، ونحو هذا.ما صفات القدوة الصالحة التي ترشحها للشاب المسلم أو للمسلم عموماً ؟ وما هي حدود اتباع تلك القدوة ؟في الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه : “عليكم بمن قد مات، فإن الحيّ لا تؤمن عليه الفتنة”، فأول قدوات صالحة هي سلف الأمة الصالح، ومن سار على دربهم من علماء وفقهاء وصالحين، ومع ذلك لا يفترض أن يكون القدوة مانعاً من الاستزادة من المعارف والعلوم التي غابت عن كثير منهم، مثل العلوم الدنيوية المتنوعة، فاقتدائك بشخص لا يعني أن تكون مقلداً له في كل شيء، بل تتبعه في الخير، وتحاول الاستزادة من كل خير ومعرفة.يعيش أغلب شباب المسلمين اليوم في تيه معرفي .. لا نقصد العلوم التي يتم دراستها في المعاهد والجامعات وإنما مفهوم المعرفة نفسه كأدوات ترتقي بفكر الشخص وتمكنه من الحكم على الأشياء واكتساب النافع وترك الضار، فإذا كنت توافق على هذا الكلام : فما هي نصيحتك للشباب ؟كان شوبنهاور يرى أن التجديد لا يكون من داخل أسوار الجامعات، حتى إن نيتشه وهو من تلاميذه المعجبين به، يشرح هذا الأمر بقوله : “إن الطلاب يخشون معلميهم، والمعلمون يخشون الرأي العام”، بمعنى آخر : إن المدارس والجامعات تكون محافظة إلى حد ما على الوضع القائم، وكثير من الطلاب يهتم بأن يحصل على شهادة، لكننا نتحدث عن أمر غير ذلك، وهو القدرة على التفكير نفسها، الحكمة، فكم من حاصل على شهادة عليا يفتقد القدرة على التفكير في أبسط الأمور، وتتجلى أخطائه عندما يتحدث في شأن عام، أو خاص أحياناً، ومن هنا تتحول المعرفة إلى ضرورة حيوية تمس الإنسان كإنسان، بقطع النظر عن المردود الربحي المادي، ولذا فإن علوماً مثل العلوم الشرعية عندما تتحول للإنسان كمنطق لموازنته الأمور سيكون مردودها أكبر من التعامل معها كمواد جامعية.

            يهتم يوسف سمرين بانتقاد عدد من أخطاء المسلمين اليوم، بل وأخطاء من ينتسبون إلى الدعوة أحياناً - مع تحري قيام ذلك على أساس شرعي علمي سليم من القرآن والسنة والسلف الصالح - فهل يمكنك تلخيص أكثر أوجه تلك الأخطاء التي تهديها للأمة وللدعاة ؟من الأخطاء الخطيرة الملاحظ تكرارها، غياب المنهج، في إحدى المرات وقف أحد الوعاظ قائلاً : “لاحظوا (ربك فكبر) لو قرأتموها من الشمال إلى اليمين تظل هي هي” ! ففرح الناس، ولكن تخيل كم مرة ستخطئ معهم هذه الطريقة ؟ ثم تخيل كيف سيضيع معنى القرآن وهم يحاولون قلب الآيات !هنا غياب المنهج، وهو خطير، فقد تنجح معك لفتة مرة، ولكنها تهدم النصوص تماماً، يأتي رجل يؤول حديثاً فيلوي عنق الكلمات ومعانيها في حواره مع آخر، ثم يفرح أنه انتصر عليه في الجدال، ولكنه لو التزم ما قاله إلى آخر نتائجه، سيكون كارثياً، حالياً هذا مشاهد مع تأويلات تجعل من الإسلام متقارباً مع التطور الدارويني مثلاً.لذا لا يمكن التنكر لمنهج صحيح في فهم النصوص، وهو الذي حرص عليه أهل الأصول، فالمنهج مهم للغاية، لأنه لا يتوقف في التعامل مع نص في مسألة، بل يتعامل مع النصوص بمجملها، وبالتالي تتضح لوازم الأقوال فيها.

ما أفضل الطرق في نظرك لمخاطبة الشباب والناشئة بلغة تناسب العصر الذي يعيشونه اليوم ؛ في خضم تغير الكثير من المفاهيم في التربية والتلقين وحتى طرق الشرح والإقبال أو الإحجام عن القراءة وخصوصا القراءات المطولة ؟إن الاستهانة بالشباب، وتصغير قدراتهم، والتلقين : كلها معوقات أمام التعامل مع الشباب، لذلك نجد باولو فريري مثلاً يتحدث عن التفاعل بين الأستاذ والطالب في طرق التعليم الحديث، فكيف بما هو خارج الأطر النظامية ؟ الشباب يجب مخاطبته بما ينمي قدراته العقلية، وعدم اللعب على وتيرة العاطفة فحسب، فهي مشتعلة فيهم بالفعل، بل التركيز على الجانب العقلي أساسي في تنمية هؤلاء الشباب، مما سينعكس على مجتمعاتهم.ما رأيك في ظاهرة انتشار الإلحاد بين الشباب ؟ هل تراها مرحلة مؤقتة في تاريخ الأمة تمهد لشيء أفضل ؟ أم تراها نذير سوء ؟ وما هي أكبر أسبابها في رأيك ؟لا استطيع أن أقول إن الإلحاد منتشر بين الشباب، لكن يوجد شيء منه كردة فعل سياسية واجتماعية وفكرية أحياناً، يجب علينا أن لا نتعامل بردات الفعل أمام هذا وأمثاله، بل التركيز على جانب المعرفة، ودراسة هذه الظاهرة وتوقيتها وظروفها.يجب نقد المسببات، لا شك أن بعض الخطاب الوعظي والسياسي أثر في هؤلاء وصنع فيهم هذه الحال، لدرجة أنك تجد أن بعض من صار ملحداً  كان له ميول دينية فترة معينة، لكنه تلقى خطاباً بعيداً عن العقل، أو أخذ بمسائل قد يكون الراجح فقهياً غير ما تعصب له سابقاً.

           مثلاً أغلب الظاهرة الإلحادية اليوم تتعلق بالتطور الدارويني، وتحديداً داروينية جديدة تابعة لدوكنز، لا تجد فيها كبير فلسفة، إنها على وزن من ينتقل من حالة مأزومة، إلى دوغما علموية إن صح التعبير. فيفترض علينا دراسة تلك الحالات لفهمها قبل الرد عليها، ولا يكون هذا بطرق تقليدية من التعنيف والهجر ونحو ذلك، بل يجب حوراهم بالتي هي أحسن.يقول المتنبي : "وإذا كانت النفوس كباراً *** تعبت في مرادها الأجسام"

ولعل أكثر مَن يستشعر هذا البيت هم أصحاب الهمم العالية في الكتابة والبحث، فهل لدى يوسف سمرين أهدافاً من هذا النوع يرجو من الله تعالى يوماً أن يتمها ؟عملي ينصب في جوانب الفلسفة التي تتفق مع الرؤية الشرعية، وهدفي الذي أصبو إليه هو تصوير مدرسة ابن تيمية فلسفياً كما هي دون تلفيق، حيث أرى أهمية مد هذه المدرسة إلى الفروع المستحدثة في العلوم والمعارف، وإظهار حلولها في المشاكل العصرية.ما رؤيتك للمجال الفكري والثقافي الإسلامي اليوم، هل ترى أفراده على كفاءة مناسبة لحاجات الأمة ؟ أم تنقصهم بعض الكفاءات الغائبة ؟ أم ينقصهم العدد ؟ وما هي نصيحتك للنهوض بهذا المجال ؟نصيحتي أن لا يكرروا نفس النماذج التي تم تقديمها، بل البناء على جهود من سبق، وتغطية النقص في الجوانب التي لا يكاد يوجد فيها ذاك الجهد، ومن تلك الثغور التي تحتاج إلى مرابطين عليها  هي الجانب الفكري والمباحث الفلسفية، ولا أخفي أنني ألحظ كثيراً من الجهود في هذه الأبواب تخالف – دون وعي – عند القائمين عليها ، ما يقررونه من معاني النصوص الشرعية، لكنهم لا يفطنون أن ما يقررونه في هذه المباحث مرتبط بشكل أساسي بمباحث أخرى، على أي حال الجانب الفلسفي يحتاج إلى جهود جبارة لمد ما قرره ابن تيمية في فروع الفلسفة الحديثة، هذا بعد توضيح الأسس التي تقوم عليها فلسفته.وأخيراً : هل هناك مشاريع قريبة للظهور على الساحة ليوسف سمرين ؟نعم إن شاء الله، العمل حالياً على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة)، وهو جهد كبير يستنزف وقتاً وعملاً، أتمنى أن يخرج إلى النور عما قريب.